السيد حيدر الآملي

18

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

« يا حارثة ، كيف أصبحت ؟ قال : أصبحت مؤمنا حقّا . فقال عليه السّلام : لكلّ حقّ حقيقة ، فما حقيقة إيمانك ؟ قال : رأيت أهل الجنّة يتزاورون ، وأهل النّار يتعاوون ، ورأيت عرش ربّي بارزا ، قال : أصبت ، فالزم » . فإيمانه بالغيب حقّ وشريعة ، وكشفه ووجدانه الجنّة والنّار والعرش حقيقة ، وزهده في الدنيا والعمل الّذي كان هو فيه حتّى استحق هذه الدّرجة طريقة ، والكلّ داخل في الشّرع غير خارج عنه ، لأنّ الشرع اسم شامل لكلّ ذلك كما سبق . وقيل : « إنّ الشرع كاللوزة الكاملة مثلا مشتملة على الدّهن واللّب والقشر ، فاللّوزة بأسرها كالشريعة ، واللّب كالطريقة ، والدّهن كالحقيقة » .

--> أنت يا حارثة بن مالك ؟ فقال : يا رسول اللّه مؤمن حقّا ، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : لكلّ شيء حقيقة فما حقيقة قولك ؟ فقال : يا رسول اللّه عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت هواجري وكأني أنظر إلى عرش ربّي ( و ) قد وضع للحساب وكأنّي أنظر إلى أهل الجنّة يتزاورون في الجنّة وكأنّي أسمع عواء أهل النار في النار ، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : عبد نوّر اللّه قلبه ، أبصرت فاثبت ، فقال : يا رسول اللّه ادع لي ان يرزقني الشهادة معك ، فقال : اللهمّ ارزق حارثة الشهادة ، فلم يلبث إلّا أيّاما حتّى بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله سرّية فبعثه فيها ، فقاتل فقتل تسعة - أو ثمانية - ثم قتل » . وروى مثله الصدوق قدس اللّه نفسه في كتابه « معاني الأخبار » باب معنى الإسلام والإيمان ح 5 ص 187 . وأخرجه الحافظ ابن كثير في تفسيره ج 2 ص 469 في تفسير سورة الأنفال الآية 4 ، وأيضا أخرجه الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد ج 1 ص 220 ح 190 و 189 في كتاب الإيمان في باب حقيقة الإيمان وكماله ، وأخرجه أيضا الهندي في كنز العمال ج 13 ص 351 ح 36988 وص 353 ح 36990 .